أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

516

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ « 1 » : وما ذكر من أنّ اللام تعطي معنى الحال مخالف فيه ، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال ، وأما قوله : كما أخلصت الهمزة ، فليس ذلك إلّا على مذهب من يزعم أن أصله : إله ، وأما من زعم أنّ أصله لاه ، فلا تكون الهمزة فيه للتعويض ، إذ لم يحذف منه شيء ، ولو قلنا أن أصله إله وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أنّ الهمزة فيه في النداء للتعويض ، إذ لو كانت عوضا عن المحذوف لثبت دائما في النداء وغيره ، ولما جاز حذفها في النداء ، قالوا : يا اللّه بحذفها وقد نصّوا على أنّ قطع همزة الوصل في النداء شاذ » . وقرأ الجمهور : « أَ إِذا » بالاستفهام . وهو استبعاد كما تقدم . وقرأ ابن ذكوان بخلاف عنه ، وجماعة : « إِذا » بهمزة واحدة على الجزاء والاستفهام وحذف أداته للعلم بها ، ولدلالة القراءة الأخرى عليها ، وقرأ طلحة بن مصرف « لسأخرج » بالسين دون « سوف » ، هذا نقل الزمخشري عنه ، وغيره « 2 » نقل عنه « سأخرج » ، دون لام ابتداء . وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس « أُخْرَجُ » ، ولا يمتنع حرف التنفيس على الصحيح ، وقراءة العامة « أُخْرَجُ » مبنيا للمفعول ، والحسن وأبو حيوة « أخرج » مبنيا للفاعل . و « حَيًّا » حال مؤكدة ، لأنّ من لازم خروجه أن يكون « حَيًّا » وهو كقوله : « أُبْعَثُ حَيًّا » . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وجماعة : « يَذْكُرُ مخففا ، مضارع ذكر ، والباقون بالتشديد مضارع « يَذْكُرُ » ، والأصل : يتذكر فأدغمت التاء في الذال ، وقد قرأ بهذا الأصل وهو « يتذكّر » أبيّ . والهمزة في قوله : « أَ وَلا يَذْكُرُ » مؤخرة عن حرف العطف تقديرا ، كما هو قول الجمهور ، وقد رجع الزمخشري إلى رأي الجمهور هنا ، فقال : « الواو عطفت « لا يَذْكُرُ » على « يَقُولُ » ، ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف وحرف العطف » . ومذهبه أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها ، وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف « 3 » كما نبّهت عليه في موضعه . قوله : مِنْ قَبْلُ أي : من قبل بعثه ، وقدّره الزمخشري : من قبل الحالة التي هو فيها ، وهي حالة بقائه . قوله : جِثِيًّا . حال مقدّرة من مفعول « لَنُحْضِرَنَّهُمْ » و « جِثِيًّا » جمع جاث جمع على فعول نحو : قاعد ، وقعود ، وجالس ، وجلوس . وفي لامه لغتان ، أحدهما : الواو ، والأخرى : الياء ، يقال : جثا يجثو جثوّا ، وجثا يجثي جثاية . فعلى التقدير الأول يكون أصله : جثو وبواوين ، الأولى زائدة علامة للجمع ، والثانية لام الكلمة ، ثم أعلت إعلال : عصيّ ودلي ، وتقدم تحقيقه في « عِتِيًّا » ، وعلى الثاني يكون الأصل : جثويا فأعلّ إعلال : هيّن وميّت ، وعن ابن عباس أنه بمعنى جماعات جماعات ، جمع جثوة ، وهو المجموع من التّراب والحجارة ، وفي صحته عنه نظر ، من حيث إنّ « فعله » لا تجمع على « فعول » . ويجوز في « جِثِيًّا » أن يكون مصدرا على فعول وأصله كما تقدم في حال كونه جمعا ، إمّا جثوو وإما : جثوى وقد تقدم أنّ الأخوين يكسران فاءه ، والباقون يضمونها ، والجثو : القعود على الرّكب . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 69 إلى 70 ] ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 )

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 207 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 206 ) . ( 3 ) انظر آية ، رقم ( 97 ) .